الفقراء والمساكين

تٌشير الآية 60 من سورة التوبة في القرآن الكريم بشكل واضح إلى استحقاق الفقراء والمساكين للزكاة، وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء. لكن الخلاف في تعريف “الفقراء” و “المساكين”. ماذا يعني كل مصطلح تحديداً؟ وما الفرق بينهما؟ هذه أسئلة كثيراً ما نتلقّاها من الداعمين والمتبرعين، وهذا ما نسعى لتوضيحه من خلال هذا المقال.

يرى جمهور العلماء أن مصطلح “الفقير” (وهو مفرد “فقراء”) و “المسكين” (وهو مفرد “مساكين”) يختلفان في المعنى. وببساطة، هم يستعينون بالآية المذكورة أعلاه للتأكيد على هذا الاختلاف. فلو لم يكن هناك فرق، فلماذا ورد ذكرهما معاً في الآية نفسها؟ فليس من المنطق أن يقال بوجوب إيصال الزكاة للفقير والمسكين إن كان لكلا المصطلحين نفس المعنى.

يرى بعض العلماء أن هناك فرق بين المصطلحين، وهذا رأي بعض علماء  الحنفيّة والمالكية والشافعية. وفي حقيقة الأمر، فإن بعض الكلمات في اللغة العربية هي من المترادفات، لكن تختلف في المعنى إذا استُخدِمت في نفس الجملة. وهذا ينطبق على “الفقير” و “المسكين”. شرح الإمام النووي أن لكليهما نفس المعنى، ولكن إذا وردا معاً (كما في الآية) فيختلف المعنى.

بعد أن أدركنا أن المصطلحين مختلفين في المعنى في سياق الآية، سنشرح الآن الفرق بينهما. أولاً في مسألة من منهم أكثر حاجة فقد اختلف العلماء على رأيين:

  1. الفقير أكثر حاجة من المسكين، وهذا رأي المذهب الشافعي والحنبلي. ومن أدلتهم الترتيب في الآية. (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ…)
  2. المسكين أكثر حاجة من الفقير، وهذا رأي المذهب الحنفي والمالكي.

و الخلاف في المسألة يعود إلى الخلاف في تعريف الكلمتين.

 والآراء في التعريفين كثيرة. فمثلا يذكر الإمام القرطبي تسعة آراء…لكننا هنا سنتطرّق فقط إلى أشهر التعريفات لكلّ مذهب:

  1. المسكين أحسن حالاً من الفقير. فالفقير هو الشخص الذي لا يمتلك أيّ شيء، أما المسكين فهو الذي يملك القليل لكنه لا يكفيه لتغطية احتياجاته الأساسية. وهذا رأي المذهب الشافعي.

  2. العكس: الفقير أحسن حالاً من المسكين. وهذا رأي المذهب الحنفي.

  3. الفقير هو الشخص الذي لا يملك ما يكفي لتغطية نصف احتياجاته الأساسية. أما المسكين فلديه ما يغطي نصف احتياجاته الأساسية على الأقلّ، لكنه لا يمتلك ما يكفيه. وهذا رأي المذهب الحنبلي.

  4. المسكين هو من لا يمتلك شيئاً ويطلب المساعدة من الناس. أما الفقير فهو من ليس لديه ما يكفيه، لكنه لا يطلب المساعدة. وهذا رأي المذهب المالكي.

بشكل عام، يمكننا القول بأن التعريف يدور حول أمرين رئيسيين (وفقاً لكلّ مذهب) فإما الفقير أو المسكين لا يمتلك شيئاً والثاني يمتلك القليل لكنه لا يكفيه.

بالنسبة للمنظمات والهيئات التي تتولّى توزيع الزكاة، فالخلاف ليس له أي أثر جوهري لأن كلا الصنفين (الفقير والمسكين) هما مستحقّان للزكاة. وبالتالي فإن كان تقييم حال الشخص بأنه لا يمتلك شيئاً أو لا يمتلك ما يكفي، فهو بكلا الحالتين يستحق الزكاة. لا خلاف في استحقاق كل من الفقير والمسكين للزكاة، بل المهم أن الشخص فعلا محتاج للمساعدة.

لقد وضعت مفوضية اللاجئين أطُراً وطرقاً محدّدة لتقييم حاجة الأسر وتحديد من هم الأسر الأكثر حاجة للمساعدة من اللاجئين والنازحين داخلياً بحسب كل بلد في العالم. ومن الأمثلة على ذلك، طريقة تقييم مستوى الضعف (VAF) للاجئين في الأردن. هذه الطريقة عبارة عن مبادرة مشتركة بين كافة المنظمات الإنسانية التي تعمل في الأردن، والهدف منها هو إنشاء منظومة تساعد المؤسسات الإنسانية على بناء ملفّ موحد حول جوانب الضعف لدى الأسر اللاجئة من السوريين وغيرهم. وهي تتألّف من حاصل رقمي يدلّ على مستوى الضعف بناءً على معايير قياس معيّنة. إن برنامج المساعدات النقدية في الأردن يعتمد بشكل كبير على هذه الطريقة لضمان كون الأشخاص الذي يحصلون على هذه المساعدة فعلياً بحاجة لها، وبمعنى آخر أن يكونوا من الأكثر ضعفاً. هناك العديد من الأطر والطرق المشابهة للـ VAF تتّبعها المفوضية في بلدان أخرى بهدف تحديد مستوى الضعف وبالتالي تحديد مستوى التدخلات اللازمة للمساعدة، وخصوصاً المساعدة المالية.

تعتمد مفوضية اللاجئين بشكل كبير على أُطر تحديد مستوى الضعف في عملية توزيع الأموال الزكاة التي يتمّ جمعها عبر صندوق الزكاة للاجئين. وهذا ما يضمن إيصال كامل مساهمات الزكاة 100% للفقراء والمساكين من اللاجئين والنازحين داخلياً.